محمد بن جرير الطبري
245
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الانعام التي أحلها لكم حلالا طيبا مذكاة غير محرم عليكم . واشكروا نعمة الله يقول : واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحل لكم من ذلك ، وعلى غير ذلك من نعمه . إن كنتم إياه تعبدون يقول : إن كنتم تعبدون الله ، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم . وكان بعضهم يقول : إنما عني بقوله : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا طعاما كان بعث به رسول الله ( ص ) إلى المشركين من قومه في سني الجدب والقحط رقة عليهم ، فقال الله تعالى للمشركين : فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالا طيبا . وذلك تأويل بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله : إنما حرم عليكم الميتة والدم . . . الآية والتي بعدها ، فبين بذلك أن قوله : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما قد بينا قبل فيما مضى لا معنى له ، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان ، فإن كل ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) * . يقول تعالى ذكر مكذبا المشركين الذين كانوا يحرمون ما ذكرنا من البحائر وغير ذلك : ما حرم الله عليكم أيها الناس إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح للأنصاب فسمي عليه غير الله لان ذلك من ذبائح من لا يحل أكل ذبيحته ، فمن اضطر إلى ذلك أو إلى شئ منه لمجاعة حلت فأكله غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم يقول : ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة ، رحيم به أن يعاقبه عليه . وقد بينا اختلاف المختلفين في قوله : غير باغ ولا عاد والصواب عندنا من القول في ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إنما حرم عليكم الميتة والدم . . . الآية قال : وإن الاسلام دين يطهره الله من كل سوء ، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شئ من ذلك . قوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام ، وهو يجد عنه مندوحة . القول في تأويل قوله تعالى :